سيناريو : يوسف شاهين ومحسن زايد
تصوير : محسن نصر
موسيقى : فؤاد الظواهري ومقطوعات عديدة من موسيقى أربعينية
مونتاج : رشيدة عبد السلام
تمثيل : محسن محيي الدين ، محمود المليجي ، محسنة توفيق ، فريد شوقي ، نجلاء فتحي ، أحمد زكي ، عزت العلايلي ، يوسف وهبى
عام 76 .. حينما أتمّ يوسف شاهين عامه الخمسون كان قد انتهى خلال السنوات الأخيرة من بعضٍ من صفوة أعماله ، بدت كإنها أعمال مكملة لبعضها وتنبع كلها من منطلقات واحدة فُجرت بداخله بعد نكسة 67 : لماذا حدث ما حدث ؟ وما مدى مسئوليتنا عنه ؟ ، لذلك سُميت بعد ذلك "بثلاثية النكسة أو ثلاثية الهزيمة" وبدا في نهايتها أنه قد قال كل ما يريد قوله وأن الأساس الآن هو محاولة التحرر من الماضي والبدء من جديد بأحلامٍ أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الواقع ..
وبنهاية الثلاثية كان قد أتم فعلاً نصف قرن من حياته .. نصفهم قضاه في السينما والبلاتوهات ، شعر حينها بأنه قال كل شيء .. هناك أقاويل تتردد في أنه فكر في الاعتزال فعلياً ، إلا أن نهاية مرحلة التساؤل عن النكسة ارتبطت ببداية مرحلة أخرى هي مرحلة التساؤل عن الذات : من أنا ؟ .. من نحن ؟ .. من أين بدأَ جيلنا وكيف تكوّن ؟
ومن هنا تحديداً جاء "إسكندرية ليه ؟!" ، كمحاولة للفهم .. محاولة للمحاسبة .. محاولة للنظر للأحداث من بعيد .. عبر مثلث ( الذات .. العائلة .. المجتمع ) .. وبعد كل ذلك تأتي المحاولة الأهم : محاولة سرد الحقيقة وخلق قدرة للتصالح مع كل ما فات ..
يبدأ الفيلم بلقطات بانورامية للجيش الألماني وهتلر وتعليق خارجي بلهجة إسكندرانية يحدثنا عن الوضع السياسي وقتها ، إسكندرية سنة 42 .. ذروة التكوين الفكري ليوسف شاهين – الذي كان في السادسة عشر وقتها – وذروة التكوين الفكري لجيلٍ كامل كان هو مصر ( الخمسينات والستينات ) بعد ذلك ، القوات الألمانية على أعتاب الأسكندرية ، مباشرةً يضعنا شاهين – وبمشهد لا يتعدى الدقيقة – في الخلفية السياسية للأحداث التي سيقوم عليها الفيلم فيما بعد ، تنزل التيترات بعدها بموسيقى أربعينية مبهجة من الجنوب الأمريكي على صورة تسجيلية أكثر إبهاجاً للأسكندرية : أطفال يسبحون في مياة البحر .. كبائن المصيفين .. لقطات لمهللون بداخل المياة ، ثم : لقطة للأيقونة الهوليودية "إستر وليامز" تسبح في لقطة من أحد أفلامها وتبتسم ، تنتهي تلك المشاهد بكادر للبطل "يحيى" أمام سينما مترو مع أفيش فيلم لجورج جيتالي يُكتب عليه : "إخراج يوسف شاهين" ..
شاهين يختصر روح الفيلم كاملاً في أربعة دقائق هي مدة التترات : الوضع السياسي المضطرب وخلفيته .. حرب وضعت العالم كله على أرضية واحدة .. هوية الإسكندرية الجميلة – المدينة الحُلم - كما يراها .. الهوس بالسينما – ليسَ عبثاً أن تبدأ الأحداث من داخل قاعة سينما - .. الحلم الأمريكي الذي اجتاح العالم وقتها ورمزاً حقيقي له كإستر وليامز .. وختاماً بلقطة لشاب تمتلأ عيناه بالوله وستملأ الدنيا صخباً بعد ذلك ..
بعد ذلك سنبدأ فعلياً في التعرف عن شخصيات الفيلم عن قرب عبر مثلث ( الذات ، العائلة ، المجتمع ) كما ذكرت : أنا : الشاب ذو السادسة عشر عاماً الذي لا يعرف شيئاً عما حوله سوى ولهه الشديد لشكسبير وهاملت والسينما ويحمل عبئاً نفسياً وتحدياً من نوع خاصاً يجعله يريد دائماً أن يثبت أحقيته في الحياة ، العائلة : عائلة هذا الشاب التي تعبر عن الطبقة المتوسطة المصرية التي سيحكم أبناءها مصر ويصبحون صفوة أبناءها في مرحلة لاحقة .. مشاكلها وعيوبها وأزمتها وتطلعها الدائم لأن تصبح أفضل ، المجتمع : بكل طبقاته المتصلة تماماً والتي عاش يحيى بينها : الضباط المصريين .. الشيوعيين .. الإخوان المسلمين .. الطبقة الأرستقراطية بوجهيها الجميل والقبيح.. الأسرة الحاكمة .. الجالية اليهودية في الإسكندرية .. الصعاليك .. انتهازيو الحرب .. الطلاب الحالمون بأمريكا والحرية والعدالة والديمقراطية في زمنٍ بدا فيه كل شيء قابلاً للحدوث ، شاهين يُضفر كل هذا في عملٍ أكثر من مذهل يضم فيه الجميع في ( البعد المكاني ) ويبدون في النهاية وكأنهم أسرة واحدة مترامية الأطراف والأبطال الحقيقيين لها – والذين يجمعون كل هذا – هما "يحيى .. والإسكندرية" ، ولعل هذا الإحساس بالقرب والتواصل مع كل ما يحدث – رغم كثرة الشخصيات والأحداث – يعود أولاً وأخيراً لسيناريو رائع – كتبه محسن زايد إلى جانب شاهين بالطبع – ومونتاج عظيم فعلاً – من المونتيرة العبقرية ورفيقة الدرب رشيدة عبد السلام - ..
الضلع الأول - والأهم - من الفيلم هو ( الذات ) ، العجوز الذي كان عند صناعته تحفته هذه قد تخطى الخمسين من العمر يلقي نظرة من بعيد للشاب الصغير الذي كانه يوماً ، نظرة مليئة بالإعجاب لقدرته على الحلم والتمسك به .. بقدر ما هي نظرة مليئة بالمحاسبة وتحليل ما جمعه بالعائلة والمدينة ، وأهم ما في أمر أن يوسف يستطيع عبر إحياءه لصورته صغيراً أن يلامس في كل منا ( يحيى ) الموجود داخله ، منذ اللقطة الأولى نبدأ في التعرف على يحيى .. صورة له وهو يتابع باهتمام وإعجاب بالغ جورج جيتالي وعلى الشاشة نرى جيتالي يغني "سأصعد إلى الفردوس بدرجةٍ جديدة كل يوم" ، إنه الشيء الأهم الذي عرفه يوسف عن نفسه في تلك الفترة : حبه للسينما ورغبته فيها بل ربما أنها الشيء الوحيد الذي أراده وتمناه في سنواتِ الصبا ، بعد ذلك نبدأ في التعرف على العائلة – عبر رؤيته هو لها – في أول مشاهد ظهورها .. تبدو في البداية عائلة هوائية تماماً لا نشعر معها بأي حميمية - لأن ذلك هو إحساسه بها - .. يطلب منهم أن يخفضوا أصواتهم وهم يلعبون القمار ليلاً لأنه يريد المذاكرة ثم يختبئون هرباً من القصف الليلي ، يحيى لا يشعر بالرضا عن نفسه أو عن حياته ، نعرف عنه رفضه وغضبه من الوضع الطبقي الذي هو فيه لدرجة تدفعه رفض حضور حفلة أقامها زميلٌ له بسبب رداءة ملابسه مقارنةً بهم ، نعرف كذلك أنه يحاول تعويض النقص الداخلي الذي يُشعره بأنه أقل منهم بالتفوق في شيءٍ آخر هو التمثيل الذي يبهر به زملاءه وأساتذته إثر أداءه لمشهد من "هاملت – شكسبير" ..

من هنا ينبع ( الحلم ) الذي تمسك به بعد ذلك ، يحيى يجد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يجد فيه قيمته ووجوده ويستطيع فيه أن يصبح شيئاً ذو قيمة .. يستطيع فيه أن ( يكون ) ، لم يفكر في حلم والده بأن يصبح مهندساً أو حلم عائلته في أن يُحسن وضعهم المادي والإجتماعي ولكنه فكر في ( حلمه ) هو بالسينما وبأمريكا وبتحقيقه لذاته ، في مرحلة لاحقة .. نعرف عنه أن أخيه الأكبر قد مات وهو صغير وسمع جدته تتمنى موته هو وليس الآخر ، تلك الحادثة المفصلية تشكل جزءً أساسياً من "يوسف – يحيى" تضعه في تحديٍ دائم أمام فكرة أنه "لم يكن يستحق الموت وأنه استحق الحياة" ، لذلك فهو يتمسك بالشيء الوحيد الذي رأى نفسه فيه واعتقد دائماً أنه يمكنه فعله على النحو السليم وهرب فيه من خجله وتردده وغضبه من وضعه الاجتماعي وواجه خوفه من أن يكون ( فاشلاً ) كما يعتقد الجميع ، في سبيل ذلك يتمسك يحيى بحلمه الوحيد رغم أنه يبدو في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عنه ، ولكنه يستمر في محاولته هادفاً إقناع نفسه – قبل الآخرين – بأحقيته في الحياة بدلاً من أخيه الأكبر ، طموحه الكبير وإيمانه – أو أمنيته – في موهبته يدفعه لمقابلة الأميرة "شاهينور" من أجل تدعيم استعراض كبير تحت رعايتها يتحمل هو مسئوليته .. وفي مشهد عظيم جداً يسير رافعاً رأسه ومبتسماً ومحيياً جماهير غير موجودة على خلفية موسيقية أربعينية شهيرة لجرين ميلر .. هذا هو انتصار "يحيى" الأول وخطوته نحو تحقيق حلمه ، لاحقاً – وفي مشهد من أعظم المشاهد في تاريخ السينما – يقدم حفلة فاشلة يفقد فيها السيطرة على كل شيء ، في هذا المشهد بالذات يتجسد الشعور بالهزيمة والانكسار والخوف من الفشل ومن أن يكون ( لا شيء ) ، هواجس ذكرته بأخيه الأكبر وأمنية جدته مرة أخرى ووضعت كل الأحداث أمامه أمام كراسي فارغة وخشبة مسرح مملوءة بالفوضى تعكس الفكرة التي هرب منها وأرقته طوال سنوات حياته القصيرة ، الفيصل هنا هو رغبته – وقدرته – على الاستمرار رغم ما بدا من مصاعب ، يقف بعينٍ دامعة أمام قبر أخيه كي يستمد منه قوته وتحديه .. ثم يستمر ، يصنع فيلماً قصيراً .. يحاول الحصول على منحة سفر إلى أمريكا من أجل التعلم – كي يدرك لماذا فشل كما يخبر أمه في أحد المشاهد - .. وفي النهاية وبعد مصاعب كثيرة يصل يحيى لغايته ويسافر في محاولة عمره لأن ( يكون ) في ظل الخيارين الذين وضعهم "هاملت" أمامه ..
يحيى يلامس بشدة تلك الجزئية الموجودة لدى كل منا عن الحلم وإمكانية تحقيقه ، في مرحلة ما .. يدرك كل منا ما يريده ويدرك الطريق الذي يريد السير فيه وفي الغالب يبدو الطريق مليئاً بالمصاعب التي تبعدنا عن ( غايتنا ) هذه .. كم منا يستمر وكم يتوقف ؟ ، نحن نتعاطف مع يحيى ونبدو في نهاية الأحداث وكأننا نجري معه كي يكمل ورقه ويسافر إلى نيويورك لأنه جسدنا نحن .. جسد أحلامنا الحقيقية ورغبتنا في تحقيقها وأمنيتنا في أن نملك القدرة على الاستمرار رغم ما يبدو لنا من مصاعب ، لذلك فإننا نقف معه ونتحيز بشدة ضد خوفنا ( نحن أيضاً ) من عدم تحقيق ما نريده وما نتمناه ونظن أن به نستطيع أن نتحقق ونكون ..
وفي واحد من أعظم مشاهد الفيلم كذلك .. نودعه مع العائلة على ظهر تلك المركب المتوجهة لنيويورك والتي يبدو "صغيراً جداً عليها" وقد واجه وحده كل هذا وبانتظار ما هو أكثر لكي يواجهه .. ورغم كل شيء فإن لحظة ( انتصاره ) تلك كانت لحظة ( انتصار ) لنا أيضاً وكأن يوسف يحيي ذاته الصغيرة التي كانت واستطاعت ويجبرنا على أن نصفق لها ونجن نودعها في ختام الفيلم وختام الجزء الأول من رحلة الحياة ..
ومن خلال كل ذلك يتحقق التصالح مع السنين الأولى ومرحلة التكوين الذاتية .. يتم مواجهة الهواجس والمخاوف .. يتم مواجهة الأنانية التي كانت.. يتم مواجهة صورة العائلة بكل ما فيها من عيوب وكل ما امتلأت به من مميزات ، وفوق كل ذلك .. هناك تأكيد على ( استحقاق الحياة ) وكأن يوسف يخبر الشاب الذي كانه بالفنان الذي أصبح عليه كي يبتسم في وجهه ويربت على كتفه أخيراً ويخبره "لقد كنت تستحق .. وكل شيء كان يستحق" ..
يتبع ....


