24 يناير, 2009

إسكندرية .. ليه ؟! ( 1-2 )


إسكندرية .. ليه ؟! - 1978

سيناريو : يوسف شاهين ومحسن زايد
تصوير : محسن نصر
موسيقى : فؤاد الظواهري ومقطوعات عديدة من موسيقى أربعينية
مونتاج : رشيدة عبد السلام
تمثيل :
محسن محيي الدين ، محمود المليجي ، محسنة توفيق ، فريد شوقي ، نجلاء فتحي ، أحمد زكي ، عزت العلايلي ، يوسف وهبى 



عام 76 .. حينما أتمّ يوسف شاهين عامه الخمسون كان قد انتهى خلال السنوات الأخيرة من بعضٍ من صفوة أعماله ، بدت كإنها أعمال مكملة لبعضها وتنبع كلها من منطلقات واحدة فُجرت بداخله بعد نكسة 67 : لماذا حدث ما حدث ؟ وما مدى مسئوليتنا عنه ؟ ، لذلك سُميت بعد ذلك "بثلاثية النكسة أو ثلاثية الهزيمة" وبدا في نهايتها أنه قد قال كل ما يريد قوله وأن الأساس الآن هو محاولة التحرر من الماضي والبدء من جديد بأحلامٍ أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الواقع ..

وبنهاية الثلاثية كان قد أتم فعلاً نصف قرن من حياته .. نصفهم قضاه في السينما والبلاتوهات ، شعر حينها بأنه قال كل شيء .. هناك أقاويل تتردد في أنه فكر في الاعتزال فعلياً ، إلا أن نهاية مرحلة التساؤل عن النكسة ارتبطت ببداية مرحلة أخرى هي مرحلة التساؤل عن الذات : من أنا ؟ .. من نحن ؟ .. من أين بدأَ جيلنا وكيف تكوّن ؟

ومن هنا تحديداً جاء "إسكندرية ليه ؟!" ، كمحاولة للفهم .. محاولة للمحاسبة .. محاولة للنظر للأحداث من بعيد .. عبر مثلث ( الذات .. العائلة .. المجتمع ) .. وبعد كل ذلك تأتي المحاولة الأهم : محاولة سرد الحقيقة وخلق قدرة للتصالح مع كل ما فات ..

يبدأ الفيلم بلقطات بانورامية للجيش الألماني وهتلر وتعليق خارجي بلهجة إسكندرانية يحدثنا عن الوضع السياسي وقتها ، إسكندرية سنة 42 .. ذروة التكوين الفكري ليوسف شاهين – الذي كان في السادسة عشر وقتها – وذروة التكوين الفكري لجيلٍ كامل كان هو مصر ( الخمسينات والستينات ) بعد ذلك ، القوات الألمانية على أعتاب الأسكندرية ، مباشرةً يضعنا شاهين – وبمشهد لا يتعدى الدقيقة – في الخلفية السياسية للأحداث التي سيقوم عليها الفيلم فيما بعد ، تنزل التيترات بعدها بموسيقى أربعينية مبهجة من الجنوب الأمريكي على صورة تسجيلية أكثر إبهاجاً للأسكندرية : أطفال يسبحون في مياة البحر .. كبائن المصيفين .. لقطات لمهللون بداخل المياة ، ثم : لقطة للأيقونة الهوليودية "إستر وليامز" تسبح في لقطة من أحد أفلامها وتبتسم ، تنتهي تلك المشاهد بكادر للبطل "يحيى" أمام سينما مترو مع أفيش فيلم لجورج جيتالي يُكتب عليه : "إخراج يوسف شاهين" ..
شاهين يختصر روح الفيلم كاملاً في أربعة دقائق هي مدة التترات : الوضع السياسي المضطرب وخلفيته .. حرب وضعت العالم كله على أرضية واحدة .. هوية الإسكندرية الجميلة – المدينة الحُلم - كما يراها .. الهوس بالسينما – ليسَ عبثاً أن تبدأ الأحداث من داخل قاعة سينما - .. الحلم الأمريكي الذي اجتاح العالم وقتها ورمزاً حقيقي له كإستر وليامز .. وختاماً بلقطة لشاب تمتلأ عيناه بالوله وستملأ الدنيا صخباً بعد ذلك ..


بعد ذلك سنبدأ فعلياً في التعرف عن شخصيات الفيلم عن قرب عبر مثلث ( الذات ، العائلة ، المجتمع ) كما ذكرت : أنا : الشاب ذو السادسة عشر عاماً الذي لا يعرف شيئاً عما حوله سوى ولهه الشديد لشكسبير وهاملت والسينما ويحمل عبئاً نفسياً وتحدياً من نوع خاصاً يجعله يريد دائماً أن يثبت أحقيته في الحياة ، العائلة : عائلة هذا الشاب التي تعبر عن الطبقة المتوسطة المصرية التي سيحكم أبناءها مصر ويصبحون صفوة أبناءها في مرحلة لاحقة .. مشاكلها وعيوبها وأزمتها وتطلعها الدائم لأن تصبح أفضل ، المجتمع : بكل طبقاته المتصلة تماماً والتي عاش يحيى بينها : الضباط المصريين .. الشيوعيين .. الإخوان المسلمين .. الطبقة الأرستقراطية بوجهيها الجميل والقبيح.. الأسرة الحاكمة .. الجالية اليهودية في الإسكندرية .. الصعاليك .. انتهازيو الحرب .. الطلاب الحالمون بأمريكا والحرية والعدالة والديمقراطية في زمنٍ بدا فيه كل شيء قابلاً للحدوث ، شاهين يُضفر كل هذا في عملٍ أكثر من مذهل يضم فيه الجميع في ( البعد المكاني ) ويبدون في النهاية وكأنهم أسرة واحدة مترامية الأطراف والأبطال الحقيقيين لها – والذين يجمعون كل هذا – هما "يحيى .. والإسكندرية" ، ولعل هذا الإحساس بالقرب والتواصل مع كل ما يحدث – رغم كثرة الشخصيات والأحداث – يعود أولاً وأخيراً لسيناريو رائع – كتبه محسن زايد إلى جانب شاهين بالطبع – ومونتاج عظيم فعلاً – من المونتيرة العبقرية ورفيقة الدرب رشيدة عبد السلام - ..

الضلع الأول - والأهم - من الفيلم هو ( الذات ) ، العجوز الذي كان عند صناعته تحفته هذه قد تخطى الخمسين من العمر يلقي نظرة من بعيد للشاب الصغير الذي كانه يوماً ، نظرة مليئة بالإعجاب لقدرته على الحلم والتمسك به .. بقدر ما هي نظرة مليئة بالمحاسبة وتحليل ما جمعه بالعائلة والمدينة ، وأهم ما في أمر أن يوسف يستطيع عبر إحياءه لصورته صغيراً أن يلامس في كل منا ( يحيى ) الموجود داخله ، منذ اللقطة الأولى نبدأ في التعرف على يحيى .. صورة له وهو يتابع باهتمام وإعجاب بالغ جورج جيتالي وعلى الشاشة نرى جيتالي يغني "سأصعد إلى الفردوس بدرجةٍ جديدة كل يوم" ، إنه الشيء الأهم الذي عرفه يوسف عن نفسه في تلك الفترة : حبه للسينما ورغبته فيها بل ربما أنها الشيء الوحيد الذي أراده وتمناه في سنواتِ الصبا ، بعد ذلك نبدأ في التعرف على العائلة – عبر رؤيته هو لها – في أول مشاهد ظهورها .. تبدو في البداية عائلة هوائية تماماً لا نشعر معها بأي حميمية - لأن ذلك هو إحساسه بها - .. يطلب منهم أن يخفضوا أصواتهم وهم يلعبون القمار ليلاً لأنه يريد المذاكرة ثم يختبئون هرباً من القصف الليلي ، يحيى لا يشعر بالرضا عن نفسه أو عن حياته ، نعرف عنه رفضه وغضبه من الوضع الطبقي الذي هو فيه لدرجة تدفعه رفض حضور حفلة أقامها زميلٌ له بسبب رداءة ملابسه مقارنةً بهم ، نعرف كذلك أنه يحاول تعويض النقص الداخلي الذي يُشعره بأنه أقل منهم بالتفوق في شيءٍ آخر هو التمثيل الذي يبهر به زملاءه وأساتذته إثر أداءه لمشهد من "هاملت – شكسبير" ..



من هنا ينبع ( الحلم ) الذي تمسك به بعد ذلك ، يحيى يجد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يجد فيه قيمته ووجوده ويستطيع فيه أن يصبح شيئاً ذو قيمة .. يستطيع فيه أن ( يكون ) ، لم يفكر في حلم والده بأن يصبح مهندساً أو حلم عائلته في أن يُحسن وضعهم المادي والإجتماعي ولكنه فكر في ( حلمه ) هو بالسينما وبأمريكا وبتحقيقه لذاته ، في مرحلة لاحقة .. نعرف عنه أن أخيه الأكبر قد مات وهو صغير وسمع جدته تتمنى موته هو وليس الآخر ، تلك الحادثة المفصلية تشكل جزءً أساسياً من "يوسف – يحيى" تضعه في تحديٍ دائم أمام فكرة أنه "لم يكن يستحق الموت وأنه استحق الحياة" ، لذلك فهو يتمسك بالشيء الوحيد الذي رأى نفسه فيه واعتقد دائماً أنه يمكنه فعله على النحو السليم وهرب فيه من خجله وتردده وغضبه من وضعه الاجتماعي وواجه خوفه من أن يكون ( فاشلاً ) كما يعتقد الجميع ، في سبيل ذلك يتمسك يحيى بحلمه الوحيد رغم أنه يبدو في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عنه ، ولكنه يستمر في محاولته هادفاً إقناع نفسه – قبل الآخرين – بأحقيته في الحياة بدلاً من أخيه الأكبر ، طموحه الكبير وإيمانه – أو أمنيته – في موهبته يدفعه لمقابلة الأميرة "شاهينور" من أجل تدعيم استعراض كبير تحت رعايتها يتحمل هو مسئوليته .. وفي مشهد عظيم جداً يسير رافعاً رأسه ومبتسماً ومحيياً جماهير غير موجودة على خلفية موسيقية أربعينية شهيرة لجرين ميلر .. هذا هو انتصار "يحيى" الأول وخطوته نحو تحقيق حلمه ، لاحقاً – وفي مشهد من أعظم المشاهد في تاريخ السينما – يقدم حفلة فاشلة يفقد فيها السيطرة على كل شيء ، في هذا المشهد بالذات يتجسد الشعور بالهزيمة والانكسار والخوف من الفشل ومن أن يكون ( لا شيء ) ، هواجس ذكرته بأخيه الأكبر وأمنية جدته مرة أخرى ووضعت كل الأحداث أمامه أمام كراسي فارغة وخشبة مسرح مملوءة بالفوضى تعكس الفكرة التي هرب منها وأرقته طوال سنوات حياته القصيرة ، الفيصل هنا هو رغبته – وقدرته – على الاستمرار رغم ما بدا من مصاعب ، يقف بعينٍ دامعة أمام قبر أخيه كي يستمد منه قوته وتحديه .. ثم يستمر ، يصنع فيلماً قصيراً .. يحاول الحصول على منحة سفر إلى أمريكا من أجل التعلم – كي يدرك لماذا فشل كما يخبر أمه في أحد المشاهد - .. وفي النهاية وبعد مصاعب كثيرة يصل يحيى لغايته ويسافر في محاولة عمره لأن ( يكون ) في ظل الخيارين الذين وضعهم "هاملت" أمامه ..

يحيى يلامس بشدة تلك الجزئية الموجودة لدى كل منا عن الحلم وإمكانية تحقيقه ، في مرحلة ما .. يدرك كل منا ما يريده ويدرك الطريق الذي يريد السير فيه وفي الغالب يبدو الطريق مليئاً بالمصاعب التي تبعدنا عن ( غايتنا ) هذه .. كم منا يستمر وكم يتوقف ؟ ، نحن نتعاطف مع يحيى ونبدو في نهاية الأحداث وكأننا نجري معه كي يكمل ورقه ويسافر إلى نيويورك لأنه جسدنا نحن .. جسد أحلامنا الحقيقية ورغبتنا في تحقيقها وأمنيتنا في أن نملك القدرة على الاستمرار رغم ما يبدو لنا من مصاعب ،  لذلك فإننا نقف معه ونتحيز بشدة ضد خوفنا ( نحن أيضاً ) من عدم تحقيق ما نريده وما نتمناه ونظن أن به نستطيع أن نتحقق ونكون ..

وفي واحد من أعظم مشاهد الفيلم كذلك .. نودعه مع العائلة على ظهر تلك المركب المتوجهة لنيويورك والتي يبدو "صغيراً جداً عليها" وقد واجه وحده كل هذا وبانتظار ما هو أكثر لكي يواجهه .. ورغم كل شيء فإن لحظة ( انتصاره ) تلك كانت لحظة ( انتصار ) لنا أيضاً وكأن يوسف يحيي ذاته الصغيرة التي كانت واستطاعت ويجبرنا على أن نصفق لها ونجن نودعها في ختام الفيلم وختام الجزء الأول من رحلة الحياة ..



ومن خلال كل ذلك يتحقق التصالح مع السنين الأولى ومرحلة التكوين الذاتية .. يتم مواجهة الهواجس والمخاوف .. يتم مواجهة الأنانية التي كانت.. يتم مواجهة صورة العائلة بكل ما فيها من عيوب وكل ما امتلأت به من مميزات ، وفوق كل ذلك .. هناك تأكيد على ( استحقاق الحياة ) وكأن يوسف يخبر الشاب الذي كانه بالفنان الذي أصبح عليه كي يبتسم في وجهه ويربت على كتفه أخيراً ويخبره "لقد كنت تستحق .. وكل شيء كان يستحق" ..

يتبع ....

06 أغسطس, 2008

ثنائية الموت والحياة


هناك عدة مراحل هامة في حياة شاهين أثرت بشكل كامل على أفلامه وعلى أفكاره ، قد تكون أهم تلك المراحل هي مرحلة ( النكسة ) والهزيمة في 5 يونيو 67 ، لحظة ضياع أحلام جيل كامل ..

بالنسبة لشاهين كانت الهزيمة هي ( الموت ) بعينه ، الموت الذي يعني توقف كل شيء .. ضياع كل شيء ، أو كما عبر هو بعدها – بكلام صلاح جاهين – في عودة الابن الضال :

نودع الماضي بحلمه الكبير
نودع الأفراح .. نودع الأشباح
راح اللي راح .. معدش فاضل كتير


الفارق فقط هو قراره أن يكون ( الموت ) ليس النهاية ولكنه بداية أخرى ، ولادة جديدة ، لأفكاره .. آراؤه .. أفلامه .. رؤيته للوطن .. المستقبل ، وهذا المعنى - النهايات التي تخلق بدايات جديدة - هو الذي دأبَ على تأكيده في كل أفلامه التي تبعت تلك المرحلة بلا استثناء

" لقد ولدت من جديد بعد الهزيمة من خلال الألم منها والأمل في تجاوزها"

تلك المرحلة التي يعبر عنها شاهين بأنه لم يعد يرغب بعد ذلك أن يحكي حواديت ، ولكن يريد تقديم أفلام تعبر عن المجتمع بشكله الحقيقي .. سينما تلبي احتياجاته .. تحرضه .. تخبره عنه ما قد لا يعرفه وتضع أمامه ما يحاول الهروب منه ، أفلام – من الأرض 1969 إلى الابن الضال 1976 – جمعت بينها العديد من القواسم المشتركة من رفض للهزيمة ومحاولة تحديد أسبابها .. من الحث على التمسك بالأمل رغم السقوط .. من وضع الكلمة في يد الشعب – والشعب وحده – كي يحدد مصيره ..

جزء هام من مهمة النقد - بل والأهم في بعض الأحيان - هو إيجاد النقاط المتشابكة بين أعمال فنان ما ومدلولها ، وما يهمني فعلاً في كل أفلام ما بعد النكسة – من الأرض وحتى المصير – هو التناول الدائم لثنائية ( الموت والحياة ) .. ( النهاية والبداية ) ، الشيء الذي ينتهي فلا تكون نهايته نهاية قدرما هي ( بداية ) جديدة لحياة تُخلَق من الموت ..

هذه الفكرة توجد بشكل مباشر في خاتمة فيلمه "حدوتة مصرية" .. النهاية الحقيقية للأحداث هو التصالح بين المخرج العجوز والطفل الصغير بعد أن حاول كلاهما – وعبر سنوات – أن يقتل الآخر ويخنقه ، الكادر الأخير من الفيلم لا يكون كلمة ( النهاية ) كما هو معتاد دوماً ، ولكن شاهين ينهي فيلمه بكلمة ( البداية ) ، بداية لأن أفلامه غير مقيده في قالب زمني تنتهي بمجرد مشاهدتها ولكنها في الحقيقة تبدأ ، بداية لإيمانه الدائم بأن كل موت هو حياة جديدة ..

والفكرة التي يعبر عنها في كادر ختام حدوتته موجودة في كل أفلامه بعد النكسة – التي ولد هو نفسه فيها من جديد - :

في الأرض ، ( تولد ) وقفة الجميع من خلال ( الهزيمة ) التي قد تؤدي لضياع أرضهم ، في الاختيار ( يموت ) محمود لكي تبدأ المصارحة والمواجهة – على الصعيد الشخصي وعلى صعيد المجتمع – في محاولة أن ( يبدأ ) مجتمع جديد لا يعاني من فصامه ، في العصفور يكون التعبير عن الأمر بالشكل الأوضح – بالنسبة لنكسة 67 تحديداً - : صرخة ( هنحارب ) في النهاية تأتي بعد ( الهزيمة ) .. الثبات الذي يأتي بعد السقوط والحياة التي تدب في شعب كامل بعد الموت ..
تتويج تلك الفكرة في أفلام تلك المرحلة – التي سميت بثلاثية الهزيمة بالإضافة للأرض – يوجد في مذبحة النهاية الشهيرة في "عودة الابن الضال" : الموت لجميع من مثّل المرحلة السابقة من تاريخنا كي ( يولد ) بعدها الجيل الذي يجد ( شمس أحلامه ) – بتعبير جاهين – بعيداً عن كل القذارة التي غرقت فيها ميت شابورة ، وهو حكم بقدر ما يبدو قاسياً بقدر ما يؤكد على الفكرة التي ظل شاهين مؤمناً بها دائماً ..

بعد ذلك بدأت مرحلة السيرة الذاتية وظلت تلك الثنائية الخاصة بالحياة والموت .. البدايات والنهايات موجودة بشدة ، بل ربما يكون قد ركز عليها أكثر لأنها تعبر – تماماً – عن مراحل حياته ، ( موت ) الأخ كان عنصراً فاعلاً وأساسياً في أن يصبح الصغير الذي تمنت الجدة موته هو المخرج الشهير الذي ملأ الدنيا ضجيجاً .. هي اللحظة التي ( يولد ) من خلالها بعد حفلته الفاشلة مثلاً ، ( شبح الموت ) وهاجسه بل والقرب منه إثر عملية قلب مفتوح هو ما جعل المخرج الكبير ( يعمل فيلم ويقول ويقولوا ) يصل فيه لأقصى درجات المصارحة في تاريخ السينما العربية كي ( يولد ) في النهاية من جديد وتكتب كلمة ( البداية ) بدلاً من ( النهاية ) في تترات الختام ، ( موت ) علاقته بممثله هو ما يفتح باب متدفق وجنوني من الذكريات والأحلام والأشباح والمشاعر كي ( يولد ) من خلال ( هزيمته الشخصية ) فيلماً من أعظم ما قدم ..

وعبر هذه الأفلام كان هناك العديد من التفاصيل الصغيرة التي يعبر من خلالها عن نفس الفكرة ، قبل أن يحقق عام 1994 فيلمه المهاجر – الذي كان بشكلٍ أو بآخر سيرة ذاتية رابعة لسيدنا يوسف – ويمس فيه الفكرة على مستواها ( الشخصي .. والعام ) من جديد بل وربما بما هو أكثر وضوحاً ، بداية على مستوى الفكرة التي تشكل بعداً هاماً في دراما الفيلم وهي بحث رام عن ( الزراعة ) وليس ( التحنيط ) .. بحثه عن ( الحياة ) وليس ( الموت ) ..
وعبر تفاصيل شديدة الدقة والحرفية نرى تأكيداً مستمراً على هذا الذي يؤمن به رام .. الذي يؤمن به يوسف ، أخوة رام يضطهدونه ويرمونه في أسفل سفينة مكبلاً كي ( يموت ) إلا أن تلك اللحظة ( يولد ) فيها من جديد بعد عثور صاحب السفينة عليه وإيصاله إلى مصر كما كان يرغب ويريد ، اللحظة التي ( تموت ) فيها والدة هاتي وتدرك أنها لن ترى والدتها مجدداً لأنها لن تحنط تجد أمامها رام و( يولد ) الحب بينهم ، اللحظة التي يظن فيها الجميع أن الأرض لن تزرع يهطل المطر .. واللحظة التي ييأس فيها رام من استمرار زراعته – استمرار حلمه – يستمع فيها لصوت النهر كي ( يولد ) ويستمر من جديد ..
شدة الظلم التي يعانيها الشعب من الإله "آمون" والتي وصلت لذروتها بعد حرق أرضهم تخلق بداخلهم القوة التي تجعلهم يواجهوا الإله "آمون" ويحطمون معبده تمسكاً بالإله الواحد "آتون" ، شاهين يضع الأمر مرة أخرى في يد الشعب - كما كان في العصفور وكما كان في الأرض - عن طريق مخالفته – المقصودة - لكتب التاريخ وجعل الشعب هو من يحطم معبد آمون ، يخلق بدايته الجديدة بعد الظلم والحلكة والهزيمة التي تعرض لها ..

تلك الفكرة المتكررة دائماً والمعبرة عن إيمان شاهين بالحياة التي تخلق من الموت أعطت لأفلامه أثراً درامياً قوي ودائم ، بل وأثرها الإنساني الذي يعبر عن أملاً متجدداً لا مفتعلاً .. شيء من قبيل النور الذي يولد بعد أشد أوقات اليوم حلكة ، العبرة نفسها ولكن بنكهة يوسف شاهين أو كما يقول هو بصوت منير :

ولو في يوم راح تنكسر
لازم تقوم واقف كما
النخل باصص للسما .. للسما
ولا انهزام ولا انكسار ولا خوف ولا ..
ولا حلم نابت في الخلا .. في الخلا


****

تعجبني كثيراً تلك الفلسفة التي تبناها شاهين ، فلسفة أن الأغاني ممكنة دائماً ورغم كل شيء ، المشكلة الوحيدة هي أن ( الموت ) الأخير في دراما شاهين تمثل في رحيله هو نفسه ، دون أن يخبرنا عن ماهية البداية المقبلة أو الحياة التي قد ( تولد ) من جديد !!

05 أغسطس, 2008

تموت حتة مني


إدراكنا بقدومِ الموت لا يمنع – أبداً – وجعنا حين يحدث

****

منذُ عدة أسابيع وأنا لا أتمنى شيء قدر عودة شاهين لمصر ، مسبوقاً بشرط : عودة شاهين لشاهين أولاً ، وحينما حدث ذلك قبل أسبوعين تقريباً ، ونال قدراً من سعادة محبيه وتفاؤلهم بشأنه ، شعرت باقتضاب القلب لأن شرطي لم يتحقق ، أدركت ما يريد شاهين قوله ، فكّ هو حل الشفرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً حينما قال في حدوتة : "على الأقل لو مت ، أموت على الإيدين السُمر دول" ، بدأت أحاول التصالح مع فكرة الرحيل ، أحاول فعلاً أن أنضج ، ووصلت لما يشبه اليقين أن شغف الشاب الشديد بمخرجه الإله معتل القلب غدا متقبلاً لفكرة أن ( يرحل ) وأن يتوقف قلبه عن الصخب والجنون والجدل وتتوقف روحه عن الرقص ، وقبل يومٍ واحد من وفاته ، يوم واحد فعلاً لا مجازاً ، قلت لصديقةٍ لي أنني قد صرت أكثر تقبلاً لفكرة أن ( يِزُق ) أكثر من ذي قبل ..

الشيخ العجوز ، صاخب الجنون ذا القلب المعتل والروح الشفافة الراقصة دائماً ، قبل الرهان و ( زَق ) فعلاً مختبراً مدى نضوج الفتى ..
إلا أن العجوز قد رحل والفتى لم ينضج بعد ، ولم تعد روح العجوز تتقافز كي يخبرها – من جديد – أنه لا يقوى على الرهان لكونه لن يتقبل الرحيل أبداً ..

****

- مالك حزين عليه كده ليه ؟ ، ده ولا كإنه أبوك
- هرد عليكِ بطريقته ، يوسف اختار إنه يكون أبويا وده في حالات كتير أنبل من إنه يكون هو اللي خلفني حقيقي ، يوسف علمني أحب الحياة


****

العلاقة بيني وبين يوسف لا يمكن وصفها بالعادية ، جزء من شعوري بألم الرحيل يتعلق بإيماني الكامل منذ سنوات أنني لابد أن أشاهده يوماً ، بل أن الأمر وصل لأبعد من ذلك وهو تخيل اللقاء ، قد أكون رام وهو الأب ذا المائة عام يستقبلني في حضنِهِ بشغف مثلاً ، ولكن الأجمل أن يكون هو ( هو ) كي أكون أنا وأخبره .. أو حتى أسكت وأنظر فقط إليه ، وقتها سيدع لغة العيون التي آمن بها دائماً تتحدث أو ربما يكون لحظتها الإسكندراني ( أبو لسان زالف ) الذي ينهرني "ما تنطق يا حمار انتَ بلّمت ليه"

من الصعب – بل ومن السذاجة – محاولة الإلمام بأفكار – والأهم مشاعر – تكونت اتجاهه عمرها سنواتٍ وسنوات

أول فيلم أحضره في صالة السينما – صبياً – كان المصير ، لا أذكر انطباعي وقتها ، هل فهمت أم لا ، أذكر فقط أنني خرجت بسعادة بالغة ، ليسَ فقط لأول تعارف بيني وبين الشاشة المضيئة ، ولكن لأن ما شاهدت كان ممتعاً ، خرجت أدندن وصوت مطربي المفضل لا يفارق مخيلتي "علي صوتك بالغنا ، لسه الأغاني ممكنة" ، بعدها بفترة ليست ببعيدة عُرض الفيلم على التلفزيون ، صرت أعرف – من بعيد – من هو يوسف شاهين ، إلا أن البداية الحقيقية كانت مع عرض "المصير" مصحوباً بالمشهد الأعظم في مسيرة الخمسين عاماً : الرجل العجوز الذي يُكرم على إنجاز العمر بابتسامة خجلة وساعدين مرتعشين وروح محلقة وقلب يكاد يرقص ..

"منظر ساعد شاهين المرتعش وهو يرفع كفه لفمه علامة على أنه لا يجد الكلمات، أمام جمهور من صفوة سينمائيي العالم يصفقون وقوفا في كان وهو يكرّم عن إنجاز عمره، منظر ترك في أثرا عميقا، لرجل صاحب مصر من وراء الكاميرا عبر خمسة عقود "*

هي لقطة تركت فينا جميعاً أثراً عميقاً ..

لن أفرط كي أقول أن البداية الحقيقية لوعيي كانت في ذلك الوقت ، ولكن بدون أي إفراط صاحبني شاهين من وقتها – بوعي وبلا وعي - في كل شيء وعبر سنوات متتالية ، مراحل الوعي المتلاحقة .. مراحل إدراك الحياة والناس .. بدء فهم جمال وخصوصية وعظمة الإسكندرية .. بدء استيعاب شخصية القاهرة بل وشخصية مصر .. بدء الإعجاب بالسينما الحقيقية من خلال سينماه .. بدء قراءة الأدب عبر صفحات ( الأرض ) بناءً على شخوص فيلمه .. بدء قراءة شكسبير والهيام به .. بدء الوعي بأحلام المرحلة الناصرية وسقوطها .. بدء فهم التردي الذي نتج عن عصر السادات .. بدء ( الإشتراكية الفطرية ) التي تعني الإنحياز للمظلوم وضد الظلم .. وصولاً لمراحل إدراك أعمق عن إن "اللي عايز باسبور يجيبه من بق الأسد عشان يسافر لأحلامه" .. وإن "الحقيقة هي الإخلاص مع النفس أولاً" .. وإن "اللي عايز يبقى كويس لازم يعرف الناس .. واللي عايز يعرف الناس لازم يحب الناس ، وإن كنت عايز تحب الناس لازم تفهمهم أوي على طبيعتهم ، وتسامحهم أوي .. برضه على طبيعتهم" .. "ولو عايز يبقالك قيمة بجد ، اعمل حاجة تنفع الناس وساعتها التقدير هيجيلك لغاية عندك" ، إدراك أن المحبة والتسامح كلمات مكانها القلوب وليس الصفحة الأخيرة من كتاب القراءة لأن ( كل الأديان هي دعوة للحب والتفاهم مع الآخر ) ولأن "كل واحد مننا أعرج بطريقته" .. ولأن ( الإنسانية هي التي تشغلني والإنسان هو الذي يعنيني ) ..

شاهين كان موجوداً في أغلب مراحل الإدراك والوعي والفهم ، إذا لم يكن بادئ لها فهو ركناً أساسياً فيها ..

مع الوقت أصبح شخصاً أحدثه ، أسمعه في مواقف متتالية ، أصبح وكأنه إلهاً أرضياً بمواصفات آلهة الإغريق ، إله له بصمة واضحة في كل مرحلة هامة : انفصال والدتي ووالدي .. الفشل في تحقيق بعض الأحلام وخلق أحلام جديدة .. الإيمان بالناس .. محاولة الوصول لجوهر التسامح .. عدم الخجل من الأخطاء .. الفرص التي يجب أن نصنعها والخيارت التي تأتي إلينا كي نحدد ما نريد ، الحلم كما في "إسكندرية .. ليه" .. المحاسبة كما في "حدوتة مصرية" .. الثبات والاستمرار والرقص مع الحياة حتى لو بدت في أقصى حالات قسوتها كما في "إسكندرية كمان وكمان" ..

****

- يوسف ده حتة من قلبي ، حتة مني أوي ، حتة بتعرف تحلم وترقص وتتنطط ، حتة بتعرف تغلط وتسامح ، بتعرف ترفض وبتعرف متنكسرش

****

منذ عدة أيام ، خلال الفترة السابقة التي لم أستطع فيها أن أخط كلمة عنه ، كان بداخلي ما يشبه الخواء .. لا شيء سوى أحاسيس متضاربة ، تذكرت وقتها مشهداً في إسكندرية كمان وكمان حين يشعر يحيى ( بالفقد ) فيخبره مساعده "امسك قلم واكتب اللي انتَ حاسس بيه" فيرد : "ولا حاجة" ثم يمسك قلم ويشخبط في ورقه ويقول "صفر زي ده"
لم أشعر وقتها بالتحسن أو الشفاء من وجع البُعد والرحيل ، ولكني أدركت – لأول مرة – أن صوت يوسف سيظل موجوداً .. دائماً ..

****

هذه المدونة ، ليست محاولة للرثاء ، بل أن سبباً من أسباب صمتي – أو عدم استطاعتي – الكتابة عنه لأيامٍ عشر مضت كانت لكوني لا أريد رثاؤه أو البكاء عليه كتاباً
وهذه المدونة أيضاً ليست محاولة لتأليه بشر ، فكونه – في نظري – إلهاً إغريقياً فهذا لا يمنع كونه يخطأ .. وكثيراً ما أخطأ ، لا يمنع أنه كان ساذجاً حين قدم الآخر وإسكندرية نيويورك ومهرجاً حين قدم سكوت هنصور وبشعاً حين قدم هي فوضى – وهي أفلام سأتجاوزها في مسيرته بالمناسبة - .. لا يمنع أنه كان حماراً حين تبنى "خالد يوسف" سينمائياً وابن كلب حينما قال أنه أفضل تلامذته وأفضل منه هو نفسه ..

هذه المدونة عن ( حتة مني ) قد ذهبت
هذه المدونة عن يوسف .. يوسف بكل ما فيه
محاولة الوصول للحقيقة التي أتعبه اللهاث واءها
محاولة لسرد الحدوتـة بشكل آخر .. وفهمها من جديد
محاولة لنفتح ( قلوبنا ) كي نستقبل ما جادَ به قلبه المعتل

****

- تيجي نعمل فيلم ونقول وتقول
- خخخ ، ومنين أجيب الجراءة دي ؟!!
- بقى عند جرأة تواجه الموت والناس لأ ؟!
- أفكر
- وأنا كمان أفكر

::

"نسأل أنيسة وأنيسة تقول .. نسأل ميري وميري تقول ، وأنا أقول وانتَ تقول .. كلنا نقول كل حاجة ، على شرط : كل واحد يقول الحقيقة .. الحقيقة وبس"


----

- من أفلامه
- من أحاديثه
* حموكشة في
تدوينة بديعة

...