05 أغسطس, 2008

تموت حتة مني


إدراكنا بقدومِ الموت لا يمنع – أبداً – وجعنا حين يحدث

****

منذُ عدة أسابيع وأنا لا أتمنى شيء قدر عودة شاهين لمصر ، مسبوقاً بشرط : عودة شاهين لشاهين أولاً ، وحينما حدث ذلك قبل أسبوعين تقريباً ، ونال قدراً من سعادة محبيه وتفاؤلهم بشأنه ، شعرت باقتضاب القلب لأن شرطي لم يتحقق ، أدركت ما يريد شاهين قوله ، فكّ هو حل الشفرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً حينما قال في حدوتة : "على الأقل لو مت ، أموت على الإيدين السُمر دول" ، بدأت أحاول التصالح مع فكرة الرحيل ، أحاول فعلاً أن أنضج ، ووصلت لما يشبه اليقين أن شغف الشاب الشديد بمخرجه الإله معتل القلب غدا متقبلاً لفكرة أن ( يرحل ) وأن يتوقف قلبه عن الصخب والجنون والجدل وتتوقف روحه عن الرقص ، وقبل يومٍ واحد من وفاته ، يوم واحد فعلاً لا مجازاً ، قلت لصديقةٍ لي أنني قد صرت أكثر تقبلاً لفكرة أن ( يِزُق ) أكثر من ذي قبل ..

الشيخ العجوز ، صاخب الجنون ذا القلب المعتل والروح الشفافة الراقصة دائماً ، قبل الرهان و ( زَق ) فعلاً مختبراً مدى نضوج الفتى ..
إلا أن العجوز قد رحل والفتى لم ينضج بعد ، ولم تعد روح العجوز تتقافز كي يخبرها – من جديد – أنه لا يقوى على الرهان لكونه لن يتقبل الرحيل أبداً ..

****

- مالك حزين عليه كده ليه ؟ ، ده ولا كإنه أبوك
- هرد عليكِ بطريقته ، يوسف اختار إنه يكون أبويا وده في حالات كتير أنبل من إنه يكون هو اللي خلفني حقيقي ، يوسف علمني أحب الحياة


****

العلاقة بيني وبين يوسف لا يمكن وصفها بالعادية ، جزء من شعوري بألم الرحيل يتعلق بإيماني الكامل منذ سنوات أنني لابد أن أشاهده يوماً ، بل أن الأمر وصل لأبعد من ذلك وهو تخيل اللقاء ، قد أكون رام وهو الأب ذا المائة عام يستقبلني في حضنِهِ بشغف مثلاً ، ولكن الأجمل أن يكون هو ( هو ) كي أكون أنا وأخبره .. أو حتى أسكت وأنظر فقط إليه ، وقتها سيدع لغة العيون التي آمن بها دائماً تتحدث أو ربما يكون لحظتها الإسكندراني ( أبو لسان زالف ) الذي ينهرني "ما تنطق يا حمار انتَ بلّمت ليه"

من الصعب – بل ومن السذاجة – محاولة الإلمام بأفكار – والأهم مشاعر – تكونت اتجاهه عمرها سنواتٍ وسنوات

أول فيلم أحضره في صالة السينما – صبياً – كان المصير ، لا أذكر انطباعي وقتها ، هل فهمت أم لا ، أذكر فقط أنني خرجت بسعادة بالغة ، ليسَ فقط لأول تعارف بيني وبين الشاشة المضيئة ، ولكن لأن ما شاهدت كان ممتعاً ، خرجت أدندن وصوت مطربي المفضل لا يفارق مخيلتي "علي صوتك بالغنا ، لسه الأغاني ممكنة" ، بعدها بفترة ليست ببعيدة عُرض الفيلم على التلفزيون ، صرت أعرف – من بعيد – من هو يوسف شاهين ، إلا أن البداية الحقيقية كانت مع عرض "المصير" مصحوباً بالمشهد الأعظم في مسيرة الخمسين عاماً : الرجل العجوز الذي يُكرم على إنجاز العمر بابتسامة خجلة وساعدين مرتعشين وروح محلقة وقلب يكاد يرقص ..

"منظر ساعد شاهين المرتعش وهو يرفع كفه لفمه علامة على أنه لا يجد الكلمات، أمام جمهور من صفوة سينمائيي العالم يصفقون وقوفا في كان وهو يكرّم عن إنجاز عمره، منظر ترك في أثرا عميقا، لرجل صاحب مصر من وراء الكاميرا عبر خمسة عقود "*

هي لقطة تركت فينا جميعاً أثراً عميقاً ..

لن أفرط كي أقول أن البداية الحقيقية لوعيي كانت في ذلك الوقت ، ولكن بدون أي إفراط صاحبني شاهين من وقتها – بوعي وبلا وعي - في كل شيء وعبر سنوات متتالية ، مراحل الوعي المتلاحقة .. مراحل إدراك الحياة والناس .. بدء فهم جمال وخصوصية وعظمة الإسكندرية .. بدء استيعاب شخصية القاهرة بل وشخصية مصر .. بدء الإعجاب بالسينما الحقيقية من خلال سينماه .. بدء قراءة الأدب عبر صفحات ( الأرض ) بناءً على شخوص فيلمه .. بدء قراءة شكسبير والهيام به .. بدء الوعي بأحلام المرحلة الناصرية وسقوطها .. بدء فهم التردي الذي نتج عن عصر السادات .. بدء ( الإشتراكية الفطرية ) التي تعني الإنحياز للمظلوم وضد الظلم .. وصولاً لمراحل إدراك أعمق عن إن "اللي عايز باسبور يجيبه من بق الأسد عشان يسافر لأحلامه" .. وإن "الحقيقة هي الإخلاص مع النفس أولاً" .. وإن "اللي عايز يبقى كويس لازم يعرف الناس .. واللي عايز يعرف الناس لازم يحب الناس ، وإن كنت عايز تحب الناس لازم تفهمهم أوي على طبيعتهم ، وتسامحهم أوي .. برضه على طبيعتهم" .. "ولو عايز يبقالك قيمة بجد ، اعمل حاجة تنفع الناس وساعتها التقدير هيجيلك لغاية عندك" ، إدراك أن المحبة والتسامح كلمات مكانها القلوب وليس الصفحة الأخيرة من كتاب القراءة لأن ( كل الأديان هي دعوة للحب والتفاهم مع الآخر ) ولأن "كل واحد مننا أعرج بطريقته" .. ولأن ( الإنسانية هي التي تشغلني والإنسان هو الذي يعنيني ) ..

شاهين كان موجوداً في أغلب مراحل الإدراك والوعي والفهم ، إذا لم يكن بادئ لها فهو ركناً أساسياً فيها ..

مع الوقت أصبح شخصاً أحدثه ، أسمعه في مواقف متتالية ، أصبح وكأنه إلهاً أرضياً بمواصفات آلهة الإغريق ، إله له بصمة واضحة في كل مرحلة هامة : انفصال والدتي ووالدي .. الفشل في تحقيق بعض الأحلام وخلق أحلام جديدة .. الإيمان بالناس .. محاولة الوصول لجوهر التسامح .. عدم الخجل من الأخطاء .. الفرص التي يجب أن نصنعها والخيارت التي تأتي إلينا كي نحدد ما نريد ، الحلم كما في "إسكندرية .. ليه" .. المحاسبة كما في "حدوتة مصرية" .. الثبات والاستمرار والرقص مع الحياة حتى لو بدت في أقصى حالات قسوتها كما في "إسكندرية كمان وكمان" ..

****

- يوسف ده حتة من قلبي ، حتة مني أوي ، حتة بتعرف تحلم وترقص وتتنطط ، حتة بتعرف تغلط وتسامح ، بتعرف ترفض وبتعرف متنكسرش

****

منذ عدة أيام ، خلال الفترة السابقة التي لم أستطع فيها أن أخط كلمة عنه ، كان بداخلي ما يشبه الخواء .. لا شيء سوى أحاسيس متضاربة ، تذكرت وقتها مشهداً في إسكندرية كمان وكمان حين يشعر يحيى ( بالفقد ) فيخبره مساعده "امسك قلم واكتب اللي انتَ حاسس بيه" فيرد : "ولا حاجة" ثم يمسك قلم ويشخبط في ورقه ويقول "صفر زي ده"
لم أشعر وقتها بالتحسن أو الشفاء من وجع البُعد والرحيل ، ولكني أدركت – لأول مرة – أن صوت يوسف سيظل موجوداً .. دائماً ..

****

هذه المدونة ، ليست محاولة للرثاء ، بل أن سبباً من أسباب صمتي – أو عدم استطاعتي – الكتابة عنه لأيامٍ عشر مضت كانت لكوني لا أريد رثاؤه أو البكاء عليه كتاباً
وهذه المدونة أيضاً ليست محاولة لتأليه بشر ، فكونه – في نظري – إلهاً إغريقياً فهذا لا يمنع كونه يخطأ .. وكثيراً ما أخطأ ، لا يمنع أنه كان ساذجاً حين قدم الآخر وإسكندرية نيويورك ومهرجاً حين قدم سكوت هنصور وبشعاً حين قدم هي فوضى – وهي أفلام سأتجاوزها في مسيرته بالمناسبة - .. لا يمنع أنه كان حماراً حين تبنى "خالد يوسف" سينمائياً وابن كلب حينما قال أنه أفضل تلامذته وأفضل منه هو نفسه ..

هذه المدونة عن ( حتة مني ) قد ذهبت
هذه المدونة عن يوسف .. يوسف بكل ما فيه
محاولة الوصول للحقيقة التي أتعبه اللهاث واءها
محاولة لسرد الحدوتـة بشكل آخر .. وفهمها من جديد
محاولة لنفتح ( قلوبنا ) كي نستقبل ما جادَ به قلبه المعتل

****

- تيجي نعمل فيلم ونقول وتقول
- خخخ ، ومنين أجيب الجراءة دي ؟!!
- بقى عند جرأة تواجه الموت والناس لأ ؟!
- أفكر
- وأنا كمان أفكر

::

"نسأل أنيسة وأنيسة تقول .. نسأل ميري وميري تقول ، وأنا أقول وانتَ تقول .. كلنا نقول كل حاجة ، على شرط : كل واحد يقول الحقيقة .. الحقيقة وبس"


----

- من أفلامه
- من أحاديثه
* حموكشة في
تدوينة بديعة

2 التعليقات:

Nsreen Bsunee يقول...

for Jo:
انت سكر يا جو
for m7md:
ربنا يخليك ليا
****
حأرجع ارد ع التدوينه ديه تاني

Nada يقول...

i've found this blog while searching for chahine's movies to download...

if i can tell how i felt when i found someone has these feelings for him..

the day he died, i felt i've lost someone, something, i've lost more than words can describe..
he taught me how to think, how to live, how to accept the other, how to learn from failure , how to dare to dream, how to do what i want just to do it...

i felt towards him what i didnt feel for a lover, he was a master indeed, and i cant call anyone wz this word but him..

i quote him and his movies in my notes and my status on facebook, i write about him in my journals,

im glad i've found this blog, and if u have his movies, i really love to send me links..

and i'd be more glad to discuss any of his works :))